الطبراني

316

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

رسول اللّه قد أتينا وما أنا إلّا رجل واحد ، فإن قتلت أنت تهلك هذه الأمّة فلا يعبد اللّه بعد هذا اليوم ، فقال : [ لا تحزن يا أبا بكر إنّ اللّه معنا ] . ثم نزل المشركون من الجبل ، ولم يقدروا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالغار ثلاثة أيّام ولياليهنّ ، وكان عبد اللّه بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكّة ، فلما أمنا طلب « القوم » وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بالهجرة إلى المدينة ، فاستأجر رجلا يقال له عبد اللّه بن أريقط يهديهم الطريق إلى المدينة فخرج بهما إلى المدينة ، فسمع سراقة بن مالك بن مقسم الكناني بخروجه إلى المدينة ، فلبس لامته وركب فرسه يتّبع آثارهم حتى أدرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فدعا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فساخت قوائم فرسه ، فقال : يا محمّد أدع اللّه أن يطلق عليّ فرسي فأردّ عنك من أرى من النّاس ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ اللّهمّ إن كان صادقا فأطلق فرسه ] فرجع سراقة وقدم أبو بكر رضي اللّه عنه مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أتيا المدينة . هكذا روي وفي هذا قصّة طويلة « 1 » . ومعنى الآية : ألّا تنصروا محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم في الخروج معه إلى تبوك فاللّه ينصره كما نصره إذ أخرجه الكفار من مكّة وهو ثاني اثنين ؛ أي لم يكن معهما غيرهما ، وقوله تعالى ( ثانِيَ اثْنَيْنِ ) نصب على الحال ؛ أي وهو أحد اثنين . وقوله تعالى : إِذْ هُما فِي الْغارِ ؛ أراد به غار ثور حين خرجا إليه . والغار النّقب الذي يكون في الجبل ، وقوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ؛ معناه : إذا يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر : لا تحزن على قتلي وذهاب الإسلام إنّ اللّه يحفظنا ويدفع شرّ المشركين عنّا . قوله تعالى : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ؛ أي أنزل طمأنينة على رسوله حتى سكن واطمأنّ . ويقال : أنزل سكينته على صاحبه أبي بكر رضي اللّه عنه ، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان لنا سكنا ، وقوله تعالى : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ؛ معناه : أعان محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم وقوّاه يوم بدر والأحزاب وحنين بجنود لم تعاينوها وهم الملائكة .

--> ( 1 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج 8 ص 143 - 146 . والمحرر الوجيز : ص 846 - 847 . وجامع البيان : تفسير الآية : الآثار ( 12995 - 1300 ) . وأصلها في الصحيح عند البخاري : كتاب فضائل الصحابة ، وصحيح مسلم ، والجامع الترمذي ، وفي السيرة النبوية .